تعيش عائلة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واحدة من أكثر اللحظات المالية حساسية منذ سنوات، بعد أن تقلبت سوق العملات المشفرة بعنف مُحَوِّلةً المكاسب الهائلة التي حقّقوها خلال الأشهر الأولى من الولاية الثانية لترامب إلى خسائر ثقيلة قاربت المليار دولار، فبعدما شكَّلت الأصول الرقمية -وعلى رأسها بيتكوين وميمكوين المرتبطة باسم ترامب- مصدرًا رئيسيًا لانتفاخ ثروات العائلة ومؤيديها، تحوّلت اليوم إلى درس قاسٍ في هشاشة هذا النوع من الاستثمارات.
وبحسب مؤشر بلومبرغ للمليارديرات، تراجعت ثروة العائلة من 7.7 مليار دولار في بداية سبتمبر إلى 6.7 مليار دولار فقط، نتيجة انكشافها الكبير على مشاريع كريبتو متعددة، بعضها شديد التعقيد، وبعضها الآخر عبارة عن رهانات مباشرة على عملات لا تملك حدًا أدنى من الاستقرار.
هذه الزلزلة المالية لا تمس آل ترامب وحدهم؛ فالسوق بأكملها فقدت أكثر من تريليون دولار من قيمتها الإجمالية خلال الأسابيع الماضية، لكن سقوط ترامب في قلب العاصفة يكشف حقيقة أعمق، وهي أن طرق الربح المتاحة للنخبة السياسية لا تشبه أبدًا الطرق المتاحة للمستثمرين العاديين.
كيف تتبخر المكاسب بسرعة الضوء؟
أول ما يتكشف عند تفكيك ثروة ترامب الرقمية هو أن انكشافه لم يكن مجرد شراء مباشر للعملات الرقمية، بل كان منظومة كاملة من الصفقات المركبة توفر له مستويات حماية لا يحصل عليها المستثمر التقليدي، لكن تلك الحماية لم تمنع انهيار القيمة الدفترية لأغلب الأصول التي في حوزته، فالـ\”ميمكوين\” المرتبطة بشخص ترامب فقدت نحو 25% من قيمتها منذ أغسطس، بينما تراجعت أسهم شركته الإعلامية \”ترامب ميديا\” إلى مستويات قياسية منخفضة. أما إريك ترامب، الذي يعتبر أكثر أفراد العائلة انخراطًا في مشاريع التعدين، فقد خسر نصف قيمة حصته في شركة \”American Bitcoin\” خلال فترة قصيرة.
وبينما كان المستثمرون الذين اشتروا هذه الأصول عند إطلاقها يخسرون تقريبًا كامل قيمة أموالهم، كان آل ترامب يواصلون جني الأرباح من آليات إصدار الرموز وبيعها، الأمر الذي دفع خبير المالية في جامعة جورجتاون، جيم أنجل، إلى القول: \”المستثمر العادي يمكنه فقط المضاربة، لكن آل ترامب يمكنهم إنشاء الرموز وبيعها وتحقيق أرباح فورية\”.
اقرأ أيضًا: متى يكون التداول استثمارًا ومتى مقامرة؟
ميمكوين ترامب تخسر 25% مع أرباح خفية
تراجعت قيمة \”ميمكوين\” المرتبطة بعائلة ترامب بنحو 25% منذ نهاية أغسطس، لتصل قيمة حيازاتهم إلى نحو 310 ملايين دولار، وفق بيانات Messari وGauntlet، بانخفاض يقارب 117 مليون دولار، لكن الأمر لا يقف هنا؛ فقد حصلت العائلة على 90 مليون رمز إضافي نتيجة عمليات \”فك القفل\”، تعادل قيمتها الحالية نحو 220 مليون دولار، أي أن العائلة رغم كل الخسائر المعلنة لا تزال تحصد مكاسب خفية بفعل آليات منح الرموز التفضيلية.
أسهم \”ترامب ميديا\”.. خسارة 800 مليون دولار في أشهر قليلة
تُشير البيانات إلى أنَّ الانهيار الأكبر جاء من أسهم \”Trump Media & Technology Group\”، الشركة الأم لمنصة \”تروث سوشيال\”، فقد تراجع تقييم حصة ترامب بنحو 800 مليون دولار منذ سبتمبر، بعدما هبط سهم الشركة إلى أدنى مستوى له على الإطلاق.
ورغم أنَّ الشركة لم تُحقق أرباحًا تشغيلية ثابتة، فقد أنفقت نحو ملياري دولار على شراء بيتكوين ومشتقاته، ما يجعلها أكثر الشركات الأمريكية انكشافًا على الأصول الرقمية، لكن القيمة السوقية لمخزون بيتكوين لديها -والذي يبلغ 11,500 عملة- تراجعت بنحو 25% لأنها اشترته قرب مستوى 115 ألف دولار للعملة الواحدة. ولم يتوقف الأمر عند بيتكوين؛ إذ اشترت الشركة أيضًا كميات من رمز \”CRO\” الصادر عن منصة \”Crypto.com\”، والذي فقد نصف قيمته في نفس الفترة.
مشروع ضخم ينهار ورغم ذلك يربح آل ترمب
أكبر مصدر للخسائر كان من منصة \”World Liberty Financial\”، وهي منصة رموز رقمية أسستها العائلة، وتعد أحد أعمدة إمبراطورية الكريبتو الخاصة بها، فقد انخفض رمز المنصة \”WLFI\” من 26 سنتًا إلى نحو 15 سنتًا، ما أدى إلى تراجع القيمة الدفترية لحيازاتهم من 6 مليارات دولار إلى نحو 3.15 مليار دولار.
لكن الصورة ليست سوداء تمامًا بالنسبة لآل ترامب؛ فبالرغم من التراجع الدفتري، حقّقوا أرباحًا مباشرة كبيرة من بيع الرموز، إذ تشير البيانات إلى أنَّهم حصدوا 750 مليون دولار من صفقة مع شركة \”Alt5 Sigma\”، إضافة إلى 400 مليون دولار من مبيعات الرموز قبل الصفقة، بينما انهار سهم \”Alt5 Sigma\” نفسه بنسبة 75% منذ توقيع الصفقة.
تعرّف إلى سوق الأسهم الأمريكية.. التأسيس والمكونات
معدن الذهب الرقمي يتحول إلى خسائر ثقيلة
بعد شهرين فقط من تنصيب الرئيس ترامب، دخلت العائلة عبر إريك ترامب مشروع تعدين ضخم بالشراكة مع \”Hut 8 Corp\”، وتمكّن إريك من امتلاك حصة تبلغ 7.5% من الشركة المدرجة تحت رمز \”ABTC\”، وبلغت قيمة حصته ذروتها عند 630 مليون دولار في سبتمبر، لكن القيمة هبطت إلى النصف تقريبًا لاحقاً، ما أدى إلى خسارة تتجاوز 300 مليون دولار في فترة وجيزة.
وأي مستثمر اشترى السهم عند طرحه العام، تعرّض لخسارة تقارب 45% من استثماره، في صورة أخرى على التفاوت الكبير بين قدرة آل ترامب على امتصاص الهزائم المالية، وبين هشاشة محافظ المستثمرين التقليديين.
هل انتهت قصة الثروة الرقمية لعائلة ترامب؟
في وقت تبدو فيه خسائر آل ترامب ضخمة، تصرّ الشركات المرتبطة بهم على أن السوق تمر بدورة طبيعية، ويقول المتحدث باسم World Liberty Financial: \”الكريبتو هنا ليبقى والتقنيات الداعمة له ستغير قطاع الخدمات المالية جذريا\”.
لكن وراء هذا الخطاب المتفائل تكمن حقيقة قاسية، وهي أن الضغوط تتزايد على المستثمرين الأفراد الذين لا يملكون آليات حماية شبيهة بتلك التي لدى آل ترامب، فالسوق تتحرك بعنف، والرموز تنهار فجأة، والخسائر تتراكم، بينما يستمر أصحاب النفوذ في جني الأرباح عبر عمليات إصدار وبيع لا تتأثر كثيرًا بتقلبات الأسعار.
بالنظر إلى تاريخ بيتكوين، قد يرى البعض أن ما يحدث هو مجرد انتكاسة عابرة ضمن دورات صعود وهبوط اعتادتها السوق، لكن ما يواجهه آل ترامب اليوم يتجاوز مجرد خسارة في الرصيد المالي؛ إنه اختبار لصورة القوة والثروة التي اعتمدوا عليها لسنوات، فالمشاريع التي دخلت فيها العائلة كانت تُسوّق باعتبارها \”مستقبل المال\”، لكنها الآن قد تتحول إلى مصدر نزيف مالي وسياسي، خاصة إذا استمرت الأسواق في تسجيل هبوطات مماثلة.
تعرّف إلى العملات المشفرة لعائلة ترامب وتأثيراتها على الأسواق








