تصدع النموذج الأمريكي.. هل يقترب نموذج جمهورية الموز؟

خريطة الولايات المتحدة الأمريكية، وعملات وبيانات مالية، للإشارة إلى هشاشة الاقتصاد الأمريكي.

لم يكن المشهد السياسي والاقتصادي الأمريكي يومًا معرضًا لهذه الدرجة من التصدّع كما هو الآن، فبين تحذيرات وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين من أن الولايات المتحدة \”في خطر التحول إلى جمهورية موز\”، وتصاعد الهجمات على سيادة القانون، وتسييس المؤسسات، وانفجار الدين الفيدرالي الذي تجاوز 38 تريليون دولار، تبدو الصورة العامة وكأنها تشير إلى اهتزاز عميق في الأسس التي قامت عليها قوة أمريكا الاقتصادية.

وفي الوقت الذي تتنافس فيه القوى الكبرى على إعادة تشكيل النظام المالي العالمي، يواجه الداخل الأمريكي أزمة متشابكة تمزج بين ضعف المؤسسات، والصراعات السياسية، والضغوط على الجامعات، وتغير خريطة الثروة، وتفاقم اقتصاد الظل، وصولًا إلى تحديات الطاقة في أفريقيا وتقلبات أسعار الهدايا في موسم الأعياد.

تحذير من داخل المؤسسة المالية

أطلقت جانيت يلين، وزيرة الخزانة الأمريكية السابقة وأحد أبرز الأصوات الاقتصادية في واشنطن، تحذيرا غير مسبوق، حين قالت إن الولايات المتحدة \”في خطر حقيقي\” من التحول إلى دولة أشبه بجمهورية موز.

يأتي هذا التعبير -المعروف في الأدبيات السياسية والإعلامية- لوصف الدول التي تنعدم فيها سيادة القانون وتُدار فيها المؤسسات بإرادة السلطة لا بالدستور، ليشير إلى تآكل وهيبة المؤسسات الأمريكية التي صمدت لعقود.

وتضع يلين ثلاثة مؤشرات على طاولة التحذير؛ هي الهجمات المتصاعدة على سيادة القانون، وتهديد استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، والضغط السياسي على الجامعات وعلى الإنتاج الأكاديمي. وتضيف أنَّ \”الديمقراطية الأمريكية تبدو اليوم في خطر وجودي\”، مؤكدة أن الاقتصاد سيكون \”الضحية التالية\” إذا استمرت هذه الاتجاهات.

يتزامن تحذير يلين مع صعود الدين الفيدرالي إلى أكثر من 38 تريليون دولار، في وقت تتصاعد فيه الخلافات السياسية التي قد تؤدي إلى إغلاق حكومي جديد، بما يعني تعطل التمويل العام وارتباك الأسواق. وتشير يلين إلى أن تراجع قوة المؤسسات الأمريكية يبدأ عادة من صدامات سياسية، لكنه ينتهي دائمًا بخلل اقتصادي، وهو ما بدأت ملامحه تظهر بالفعل.

اقرأ أيضًا: الكونغرس ينهي أطول إغلاق حكومي في التاريخ

اقتصاد التعليم.. حين يتحول الضغط السياسي إلى عبء مالي

لم تعد الجامعات الأمريكية -أحد أهم مصادر القوة الناعمة الأمريكية- بعيدة عن الاستقطاب السياسي، إذ يفرض البيت الأبيض ما يُسمّى \”ميثاق التفوق الأكاديمي\”، وهو رزمة اشتراطات تربط التمويل الفيدرالي بالتزام الجامعات عبر تعزيز \”تنوع الآراء المحافظة\” داخل الحرم الجامعي، والحد من تسجيل الطلاب الأجانب، والامتثال لمعايير جديدة في الحوكمة التعليمية. ومع أنَّ المؤسسات الأكاديمية الكبرى ترفض التوقيع علنًا إلا أن العديد منها يجري مفاوضات خلف الأبواب المغلقة خوفًا من خسارة التمويل.

ويعد التعليم العالي في الولايات المتحدة أحد أهم مجالات الاستثمار العام، إذ تعتمد الجامعات بدرجة كبيرة، على المنح الفيدرالية وبرامج البحث الممول وميزانيات الابتكار والتطوير التي توفّرها الحكومة، غير أن ربط هذه الموارد المالية بـ\”ميثاق\” سياسي يفرض شروطًا تتعلق بالحوكمة وتوجهات الحرم الجامعي يدفع الجامعات إلى مواجهة مباشرة مع السلطة، ويحول التمويل من أداة دعم للبحث والتعليم إلى وسيلة ضغط ذات كلفة اقتصادية.

ومع تصاعد هذا النهج، باتت المؤسسات الأكاديمية تتعامل مع التمويل ليس بوصفه مجرد بند إداري أو خلاف سياسي يمكن احتواؤه، بل كأزمة اقتصادية تهدد استقرارها المالي وقدرتها على الاستمرار في تقديم برامجها البحثية، وهذا التحول يعيد صياغة علاقة الجامعات بالحكومة، ويخلق واقعًا جديدًا أقرب إلى \”اقتصاد الولاء مقابل التمويل\”، حيث يصبح الحفاظ على الاستقلال الأكاديمي تحديًا يتجاوز الأطر الفكرية ليصل إلى حدود البقاء المالي.

90 تريليون دولار تنتقل بين الأجيال

يشهد الاقتصاد الأمريكي دخولًا في مرحلة غير مسبوقة تُعرف بـ\”The Great Wealth Transfer\” حيث ينتقل ما يقرب من 90 تريليون دولار من ثروات جيل الطفرة السكانية إلى الأجيال الأصغر سنًا، في أكبر عملية انتقال للثروة في التاريخ الحديث، ولكن هذا التحول لا يقتصر على الأموال السائلة أو الأصول المالية التقليدية، بل يمتد ليشمل موروثات غير مالية تراكمت عبر عقود، مثل المقتنيات النادرة، والقطع الفنية، والمجموعات الخاصة، والأغراض المنزلية التي تحولت مع الزمن إلى ممتلكات ضخمة داخل البيوت.

تشير تحليلات الاقتصاد السلوكي إلى أن هذا الإرث غير المالي سيضع الأسر أمام تحديات مختلفة، إذ سيحتاج الأبناء إلى التمييز بين الأصول ذات القيمة الحقيقية التي تستحق الاحتفاظ أو البيع، وبين الممتلكات التي تحولت إلى أعباء مالية ولوجستية، تتطلب تكاليف تخزين ونقل لا مبرر لها، ومن المتوقع أن يؤثر هذا التحول على سوق المزادات وتجارة السلع المستعملة وأنماط الاستهلاك، بل وقد ينشئ ما يشبه اقتصادًا جديدًا داخل البيوت الأمريكية، قائمًا على إعادة التدوير، وإعادة التقييم، وإعادة توزيع الممتلكات بين الأجيال.

جنوب أفريقيا.. الذهب يعيد إحياء اقتصاد الظل

في جنوب أفريقيا -على سبيل المثال- يكشف صعود اقتصاد الذهب غير القانوني حول منجم \”Durban Deep\” كيف يمكن لغياب الدولة وسيادة القانون، أن يخلق اقتصادًا موازيًا يلتهم موارد البلاد.

ويعود منجم \”Durban Deep\” في جوهانسبرغ إلى دائرة الضوء بعد أكثر من عقدين على إغلاقه عام 2000، رغم أنه كان قد أنتج تاريخيًا ذهبًا تتجاوز قيمته 155 مليار دولار، ومع الارتفاع غير المسبوق في أسعار الذهب إلى ما يفوق 4 آلاف دولار للأونصة، تحولت المخلفات المتبقية في محيط المنجم إلى مصدر ثروة جديدة، لكنها ثروة مشوبة بالصراع والخطورة؛ ففي غياب الرقابة الرسمية بدأ عمال غير شرعيين في استخراج الذهب من التربة المهجورة، فيما اندفعت عصابات التعدين غير القانوني، وشبكات تهريب الذهب، ومجموعات تسيطر على المناجم المهجورة إلى الدخول في منافسة شرسة للسيطرة على هذا المورد القيم.

يشير المحللون إلى أنّ هذا المشهد يعكس ولادة اقتصاد موازٍ ينمو خارج إطار الدولة، ما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن المالي في جنوب أفريقيا ويقوض إيراداتها الرسمية، فالفوضى التي خلّفها إغلاق المنجم دون نظام واضح لإدارته تحولت إلى بؤرة صراع متشابك، يوضح كيف يمكن لثغرة صغيرة في الرقابة الحكومية أن تفتح الباب أمام اقتصاد ظل كامل تتداخل فيه الجريمة المنظمة مع موارد الدولة الطبيعية.

تحولات مومباي تكشف تباطؤ الاقتصاد الأمريكي

في الهند، يشير التحول السريع في منطقة \”Lower Parel\” بمدينة مومباي إلى صعود طبقة متوسطة جديدة، تفرض أنماطًا اقتصادية مختلفة، في وقت يبدو فيه النمو الأمريكي محاصرًا بصراعاته الداخلية وغير قادر على مواكبة تحولات الاقتصاد العالمي الصاعد.

تشهد منطقة \”Lower Parel\” في مومباي تحولًا اقتصاديًا واجتماعيًا عميقًا يعكس ملامح التغير في المدينة بأكملها، فبعد أن كانت هذه المنطقة لعقود طويلة مركزًا لصناعة النسيج ومحوراً للعمالة الصناعية، تحولت اليوم إلى وجهة مزدهرة تضم مطاعم راقية وحانات فاخرة ومشروعات استثمار عقاري واسعة، إضافة إلى مساكن عالية المستوى تستقطب شرائح جديدة من السكان.

ويشبه هذا التحوّل ما شهدته منطقة \”Shoreditch\” في لندن، لكنه في الحالة الهندية يستند إلى عاملين رئيسيين؛ هما التوسع السريع للطبقة المتوسطة وارتفاع الدخل المتاح للإنفاق، الأمر الذي خلق طلبًا متزايدًا على أسلوب حياة أكثر حداثة ورفاهية، ومع توسع هذا النمط العمراني الجديد، تتغير الجغرافيا الاقتصادية لمومباي نفسها، إذ ينتقل مركز الثقل الاقتصادي والاجتماعي تدريجيًا نحو الشمال، حيث تتشكل بيئة حضرية مختلفة تجمع بين التكنولوجيا والخدمات الراقية وأنماط استهلاك جديدة.

أفريقيا.. الطاقة محور التنمية المفقودة

في أفريقيا، تبقي أزمة الطاقة المتفاقمة التي تعرقل التنمية الصناعية وتُبقي الاقتصادات في حالة هشاشة، توضح حجم الفراغ الذي تركه تراجع دور الولايات المتحدة في دعم البنية التحتية للدول النامية، وهو الدور الذي كان جزءًا أساسيًا من أدوات القوة الأمريكية عالميًا، وكل ذلك يحدث بينما يتباطأ الداخل الأمريكي بفعل أزمات سياسية واقتصادية تلتهم طاقاته.

ويحذر البنك الدولي من أنَّ نقص الكهرباء يمثل العقبة الأكبر أمام مسار التصنيع في أفريقيا، حيث تواجه القارة مزيجًا معقدًا من التحديات التي تبدأ بشبكات طاقة قديمة ومهترئة لا تواكب النمو السكاني، مرورًا بشركات كهرباء حكومية مثقلة بالديون وتفتقر إلى القدرة على الاستثمار في البنية التحتية، وصولًا إلى تراجع التمويل الدولي المخصص لمشاريع الطاقة الجديدة.

ويستخدم الباحث \”Landry Signé\” من معهد \”Brookings\” مثال نيجيريا لتوضيح حجم الأزمة، قائلاً: \”تخيّلوا مدى قوة نيجيريا لو حصلت على كهرباء مستقرة بالكامل\”، في إشارة إلى أن أحد أكبر اقتصادات أفريقيا يُقيد يوميًا بسبب انقطاع الطاقة ونقص الإمدادات.

ومع التوقعات بارتفاع عدد سكان أفريقيا إلى 2.5 مليار نسمة بحلول عام 2050، يصبح توفير الكهرباء مسألة محورية لا تحدد فقط مستقبل الصناعة وقدرتها على النمو، بل تؤثر أيضًا في التجارة الإقليمية، وخلق فرص العمل، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي في القارة، فالطاقة ليست مجرد عنصر من عناصر التنمية، بل أساس البنية الاقتصادية الحديثة ومحرك رئيسي لتحول أفريقيا إلى قوة إنتاجية حقيقية.

التعريفات الجمركية.. التضخم.. سلاسل التوريد

حتى في ما يبدو صغيرًا، مثل تغير أسعار الهدايا في موسم الأعياد، فإن التقارير تكشف كيف أصبح الاقتصاد العالمي أكثر هشاشة أمام التعريفات الجمركية، وارتفاع التضخم، واضطرابات سلاسل التوريد، وهي كلها ظواهر كان العالم ينتظر من واشنطن قيادتها ومعالجتها، لا أن تكون منشغلة عنها بأزمات داخلية تفقدها القدرة على لعب دورها التقليدي.

ويرصد تقرير \”Holiday Prices Guide 2025\” تأثير مجموعة من العوامل الاقتصادية على أسعار الهدايا مع دخول موسم الأعياد، إذ أدى مزيج التعريفات الجمركية الجديدة والتضخم المرتفع واضطرابات سلاسل التوريد إلى زيادة واضحة في تكلفة عدد من السلع الأكثر طلبًا خلال هذه الفترة، ويشير التقرير إلى أن الفئات الأكثر تضررًا تشمل الأجهزة الإلكترونية والألعاب والمقتنيات، حيث شهدت هذه المنتجات ارتفاعًا في الأسعار يفوق المعدلات التقليدية، نتيجة ارتفاع تكاليف الاستيراد ونقص المكوّنات وارتفاع أسعار الشحن العالمي.

في المقابل، تبدو أسعار بعض السلع الأخرى أكثر استقرارًا، خاصة المنتجات اليدوية والسلع المصنوعة محليًا، التي لم تتأثر بالقدر نفسه نظرًا لاعتمادها على سلاسل توريد داخلية وتكاليف إنتاج أقل عرضة للتقلبات العالمية، ويعكس هذا التباين اتساع الفجوة بين السلع المستوردة والمنتجات المحلية في موسم الأعياد، ويؤكد أن خيارات المستهلك باتت تتأثر بصورة مباشرة بتحديات الاقتصاد العالمي.

هل تتحول أميركا بالفعل إلى جمهورية موز؟

تحذيرات جانيت يلين لا تأتي في سياق سجال سياسي عابر، بل تمثل قراءة بنيوية عميقة لما تعتبره تراجعًا واضحًا في ركائز النموذج الأمريكي ذاته، فهي تشير إلى أن قوة المؤسسات التي دعمت الاقتصاد الأمريكي لعقود بدأت تتآكل، وأن استقلالية القضاء ومتانة الاحتياطي الفيدرالي، وقدرة الجامعات على مقاومة الضغط السياسي، لم تعد بالصلابة التي كانت عليها.

إلى جانب ذلك، يتفاقم الدين الفيدرالي بشكل يضغط على هيكل الاقتصاد ويزيد هشاشته، ومع كل أزمة إغلاق حكومي، وكل صدام سياسي داخل الكونغرس، وكل ضغوط تُفرض على المؤسسات الأكاديمية، ومع اتساع اقتصاد الظل في الداخل الأمريكي، تظهر مؤشرات جديدة تؤكد أنَّ النموذج الأمريكي يواجه مرحلة اختبار حقيقية وغير مسبوقة.

ورغم استمرار الولايات المتحدة في امتلاك أكبر سوق مالية وأعمق سوق سندات في العالم، فإن يلين ترى أن الخطر الأكبر لا يكمن في المؤشرات الاقتصادية الظاهرية، بل في التآكل المؤسسي الذي يضرب الجذور ويقوّض القدرة على الحفاظ على الاستقرار طويل الأجل.

اقرأ أيضًا: الدولرة.. خطة أمريكية تحفّز الدول على اعتماد الدولار كعملة أساسية

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

ابق على اطلاع بآخر الأخبار والتحديثات من Economy Pedia من خلال الاشتراك في النشرة الإخبارية لدينا!

اشترك الآن

Discover more from Economypedia

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading