الدولرة.. خطة أمريكية تحفّز الدول على اعتماد الدولار كعملة أساسية

الولايات المتحدة تفكر في “الدولرة” لتعزيز نفوذها النقدي.

في مواجهة الزحف المالي الصيني، ومحاولات بكين تقليص نفوذ العملة الأمريكية، تتحرك واشنطن نحو ما يشبه إعادة تدوير الهيمنة النقدية، فوفقاً لتقارير رسمية -نقلت تفاصيلها صحيفة فاينينشيال تايمز – فإنّ إدارة الرئيس دونالد ترامب تدرس خطة شاملة لتشجيع مزيد من الدول على اعتماد الدولار كعملة رسمية أو أساسية في اقتصاداتها، في إطار مسعى إستراتيجي يعيد رسم موازين القوة داخل النظام المالي العالمي.

التحرك -الذي ما زال في مرحلة المشاورات- يقوده عدد من كبار مستشاري البيت الأبيض ووزارة الخزانة، وقد عُقدت خلال الصيف الماضي اجتماعات مغلقة بين مسؤولين أمريكيين وخبراء اقتصاديين بارزين، أبرزهم البروفيسور ستيف هانكي من جامعة جونز هوبكنز، أحد أبرز منظري سياسات \”الدولرة\” في العالم، الذي قال لصحيفة فاينانشال تايمز: \”الإدارة الأمريكية تُولي هذا الملف اهتمامًا جديًا، لكنها لم تتخذ قراراً نهائياً بعد\”.

واشنطن توازن بين بكين وبوينس آيرس

تتزامن هذه النقاشات مع أزمة مالية جديدة في الأرجنتين، حيث يُطرح مجدداً خيار التحول إلى الدولار كعملة رسمية بعد عقود من تراجع الثقة بالبيزو، ويرى مراقبون أن توقيت النقاش الأمريكي ليس مصادفة؛ فواشنطن تخشى أن تتحول جهود بكين في تشجيع \”اليوان الرقمي\” والتجارة الثنائية بعملات محلية إلى تهديد مباشر لمكانة الدولار كعملة احتياط وتسوية رئيسية في التجارة العالمية.

ويكشف هانكي أن \”شخصية سياسية مقربة من البيت الأبيض\” أبلغته بأن هناك تيارًا قويًا داخل الإدارة يسعى لإحياء فكرة \”الدولرة\” في دول الأسواق الناشئة، بوصفها أداة جيوسياسية واقتصادية مزدوجة، تثبيت استقرار الدول الهشة من جهة، وتعزيز ارتباطها بالنظام المالي الأمريكي من جهة أخرى.

الدولار كـ\”حصن دفاع\” في معركة العملات العالمية

تحرك واشنطن يعكس تحولًا في مفهوم الهيمنة النقدية، فبعد عقود من فرض القوة عبر العقوبات والقيود المصرفية، تتجه الإدارة إلى \”الدبلوماسية النقدية الإيجابية\”، أي جذب الدول نحو الدولار بالترغيب لا بالترهيب.

وتسعى الولايات المتحدة -بحسب خبراء- إلى خلق كتلة دولية جديدة من الاقتصادات الدولارية، تمتد من أمريكا اللاتينية إلى الشرق الأوسط وإفريقيا، لتكون جدار حماية ضد التمدد الصيني الذي يسعى لتدويل اليوان عبر مبادرة \”الحزام والطريق\” وشبكات الدفع العابرة للحدود.

قال هانكي إن الاهتمام بسياسات \”الدولرة\” يتقاطع مع جهود موازية لتوسيع استخدام العملات المستقرة المدعومة بالدولار في التسويات التجارية الدولية، ما يتيح لواشنطن استخدام التكنولوجيا المالية الحديثة لتكريس مركزية الدولار في العالم الرقمي.

اقرأ أيضًا: مستقبل الدولار الأمريكي في ظل الأزمات المالية العالمية

البيت الأبيض.. اهتمام بلا التزام

المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أكد بالفعل عقد الاجتماعات مع هانكي، لكنه شدد على أن الإدارة لم تتبن سياسة رسمية بعد، وقال: \”الرئيس ترامب أكد مراراً التزامه بالحفاظ على قوة الدولار ومكانته العالمية، ولكن المشاورات مع الخبراء لا تعني اتخاذ قرارات نهائية\”.

ويرى دبلوماسيون سابقون، أن تصريحات ديساي تعكس نهج البيت الأبيض في اختبار ردود الفعل قبل طرح مبادرات نقدية ذات بعد جيوسياسي، خاصة أن فكرة \”الدولرة\” قد تثير اعتراضات في الخارج من دول ترى فيها مساساً بسيادتها الاقتصادية.

وبحسب المقترحات الأولية التي قدمها هانكي، هناك ثماني دول تعد \”مرشحة طبيعية\” لاعتماد الدولار: الأرجنتين، لبنان، باكستان، غانا، تركيا، مصر، فنزويلا، وزيمبابوي. هذه الدول تشترك في ثلاث سمات رئيسة؛ هي تراجع الثقة بالعملة المحلية، وارتفاع معدلات التضخم والدين الخارجي، واعتمادها الكبير على الواردات المسعرة بالدولار، ويقول هانكي إن الأرجنتين -التي ربطت عملتها بالدولار بين عامي 1991 و2002- هي المرشح الأقرب لإعادة التجربة، \”لكن ضمن نظام أكثر صرامة وشفافية من مجلس النقد القديم الذي انهار بعد أزمة 2001\”.

الأرجنتين في قلب الاختبار

لطالما كانت الأرجنتين المختبر الحقيقي لسياسات النقد العالمية، فبين انهيارات متكررة للبيزو، وديون دولارية متراكمة، وانقسامات سياسية حول دور صندوق النقد الدولي، تبرز فكرة الدولرة مجددًا كـ\”حل جذري\”.

وفي الوقت الذي جعل فيه الرئيس خافيير ميلي من هذا الطرح شعار حملته عام 2023، معتبرًا أن \”الدولار هو العلاج الوحيد لفقدان الثقة الوطنية\”، أوضح وزير الاقتصاد لويس كابوتو أنَّ بلاده لا تمتلك احتياطات كافية من الدولار لتطبيق السياسة حاليًا، وإن كان لم يستبعدها كخيار مستقبلي مشروط بدعم أمريكي وصندوقي دولي.

ويرى جاي نيومان، المسؤول السابق في صندوق \”إليوت مانجمنت\”، أنَّ الدولرة هي \”ما يجب أن يحدث إذا أرادت الأرجنتين كسر الدائرة المفرغة من الأزمات\”، لكنه أضاف محذراً: \”طالما تُضخ الدولارات في الاقتصاد الأرجنتيني بلا انضباط، ستهرب مجددًا إلى الخارج\”.

أزمة البيزو الأخيرة.. اختبار جديد للثقة

الأرجنتين دخلت الشهر الماضي موجة جديدة من الاضطرابات المالية، بعد خسارة حزب ميلي في الانتخابات الإقليمية، ما أدى إلى انهيار جديد في سعر البيزو، لكن الانتصار الساحق للحكومة في الانتخابات التشريعية اللاحقة أعاد بعض الاستقرار للأسواق، مدعومًا بإشارات من واشنطن وصندوق النقد إلى دعم الإصلاحات النقدية التدريجية. ويتوقع مستثمرون أن تتجه حكومة ميلي إلى تحرير تدريجي لسعر الصرف، ما قد يكون مقدمة لربط أقوى بالدولار، وليس بالضرورة دولرة كاملة في المدى القصير.

نزيف رأس المال.. معضلة الثقة قبل السياسات

يذكر هانكي بأنَّ الأرجنتين \”خسرت نحو 76% من ديونها المتراكمة، منذ 1995 عبر هروب رؤوس الأموال إلى الخارج، بسبب انعدام الثقة بالبيزو\”، ويضيف أن المشكلة ليست في قلة التمويل، بل في عجز النظام عن تحويل الدين إلى إنتاج حقيقي يدر عوائد.

\”طالما لا يُستثمر سوى ربع الديون في أنشطة إنتاجية، فلن يكون هناك ما يكفي لخدمة الدين، وفي مثل هذه البيئة يصبح العائد المطلوب خارج حدود المنطق\”، وهذه المعضلة تلخص سبب اهتمام واشنطن بالملف، فالثقة في الدولار باتت المورد الوحيد المستقر في عالم تتآكل فيه الثقة بالعملات المحلية.

تجارب دولية.. استقرار بنكهة التقييد

تجارب الإكوادور والسلفادور تمثل الدليل الأكثر تداولًا بين أنصار ومعارضي الدولرة؛ ففي الإكوادور أدّى تبني الدولار عام 2000 إلى خفض التضخم واستعادة الثقة البنكية، لكنه في المقابل قيَّد السياسة المالية، وجعل الاقتصاد أكثر هشاشة أمام قرارات الاحتياطي الفدرالي الأمريكي، أما في السلفادور فقد أثبتت التجربة فاعليتها في كبح التضخم لكنّها حدت من قدرة الحكومة على إدارة الأزمات المالية.

من جهته، يرى صندوق النقد الدولي أن الدولرة \”قد توفّر استقراراً مؤقتاً لكنها تفرض تكلفة طويلة الأجل\”، لأنها تسلب الدولة حقها في تحديد سعر الفائدة وإدارة السيولة بما يتناسب مع ظروفها المحلية.

اقرأ أيضًا: هل يفقد الدولار الأمريكي عرشه كعملة احتياطية عالمية؟

الرؤية الأمريكية.. من الأرجنتين إلى الشرق الأوسط

رغم أن الأرجنتين تظل النموذج الأوضح، إلا أن التفكير في واشنطن يتجاوز أمركا اللاتينية، فبحسب مصادر قريبة من المناقشات، تضم قائمة المتابعة دولاً تعاني اختلالات نقدية مزمنة في الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا، من بينها لبنان ومصر وغانا وباكستان.

وتعتقد الإدارة أن \”الدولرة الطوعية\” يمكن أن تعيد الاستقرار المالي لدول تواجه أزمات مزمنة في العملات الأجنبية، مع توطيد ارتباطها بالأسواق الأمريكية، لكن محللين اقتصاديين يحذرون من أن هذه السياسة قد تتحول إلى أداة نفوذ جديدة تجعل اقتصادات تلك الدول رهينة للسياسات النقدية الأمريكية.

موقف صندوق النقد الدولي من هذه النقاشات متحفظ، فالمؤسسة التي تشرف على برامج تمويلية في أغلب الدول المرشحة للدولرة تخشى أن يؤدي تبني هذه الخطوة إلى إضعاف قدرتها على مراقبة السياسات النقدية. وفي حالة الأرجنتين، حذر الصندوق من أن التحول إلى الدولار قد \”يُكبل النمو الاقتصادي ويزيد هشاشة النظام المصرفي\”، لأن البلاد ستفقد مرونة سعر الصرف كأداة للتكيّف مع الصدمات.

الاقتصاد السياسي للدولرة.. نفوذ أم شراكة؟

يرى خبراء السياسة النقدية أنَّ خطة واشنطن -إن تحققت- ستنتج نموذجاً جديداً للعولمة المالية قوامه \”الاعتماد المتبادل المشروط\”، فالدول التي تتبنى الدولار ستحصل على استقرار نقدي فوري، لكنها بالمقابل تفقد جزءًا من سيادتها النقدية. وفي المقابل، تحصل واشنطن على شبكة نفوذ مالية ممتدة تعزز من موقعها الجيوسياسي دون الحاجة إلى تدخل عسكري أو عقوبات اقتصادية مباشرة، وهذا النموذج يعيد إحياء مبدأ \”القوة الناعمة المالية\”، حيث تتحول العملة إلى أداة دبلوماسية واقتصادية في آن واحد.

العملات الرقمية.. الخط الأمامي للحرب النقدية

في موازاة النقاش حول \”الدولرة التقليدية\”، تتابع واشنطن بقلق متزايد التقدم السريع للصين في إطلاق \”اليوان الرقمي\” وربطه بشبكات مدفوعات إقليمية عبر آسيا وإفريقيا، ويرى خبراء في البيت الأبيض أن تعزيز العملات المستقرة الأمريكية يمكن أن يشكل خط الدفاع الأول في هذه المنافسة، فكل معاملة رقمية مدعومة بالدولار، هي انتصار صغير في معركة الهيمنة النقدية العالمية.

النظام المالي العالمي.. نحو خريطة دولارية موسعة

إذا مضت واشنطن في هذا الاتجاه، فالعالم قد يشهد خلال السنوات المقبلة موجة ثانية من الدولرة، لكن في سياق مختلف عن تسعينيات القرن الماضي؛ حيث كانت الدولرة حينها حلًا لأزمات محلية، أما اليوم فهي استراتيجية عالمية تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، والتكنولوجيا بالتمويل، والهيمنة بالتحالفات، وفي ظل تنامي التنافس النقدي بين القوى الكبرى، يبدو أن الولايات المتحدة تدرك أن الحفاظ على زعامة الدولار لم يعد يُدار من وول ستريت وحدها، بل من واشنطن وبكين وبوينس آيرس وحتى المنصات الرقمية.

وبينما يتجادل الاقتصاديون حول كفاءة الدولرة، تدرك واشنطن أن هيمنة الدولار هي خط الدفاع الأخير عن موقعها في النظام الدولي، فكل دولة تتبنى العملة الأمريكية تضيف لبنة جديدة في جدار النفوذ الأمريكي، ومع اتساع رقعة التبادل بالعملات المحلية في آسيا والشرق الأوسط تسعى الولايات المتحدة إلى أن تُُبقي الدولار اللغة المالية المشتركة للعالم، سواء على الورق أو على البلوك تشين.

قد يهمّك أيضًا: الإغلاق الحكومي الأمريكي يهدد الاقتصاد بخسائر 15 مليار دولار أسبوعيًا

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

ابق على اطلاع بآخر الأخبار والتحديثات من Economy Pedia من خلال الاشتراك في النشرة الإخبارية لدينا!

اشترك الآن

Discover more from Economypedia

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading