تشهد الأسواق المالية الدولية موجة غير مسبوقة من التحوط ضد الدولار الأمريكي، مع تسارع المستثمرين الأجانب إلى تقليص انكشافهم على العملة الخضراء، في ظل تزايد القلق من تداعيات السياسات الاقتصادية والسياسية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مكانة الدولار كعملة مهيمنة عالميًا.
وأظهر تحليل صادر عن دويتشه بنك أن الاستثمارات المحمية في السندات والأسهم الأمريكية تفوقت للمرة الأولى منذ أربع سنوات على الاستثمارات غير المحمية، هذا التحول يعكس توجه المستثمرين الأجانب لحماية محافظهم من تقلبات العملة، حيث لم يعد شراء الأصول الأمريكية مرتبطًا بالاحتفاظ بالدولار، بل بالسعي إلى تحييد مخاطره.
هذا السلوك يفسّر التناقض الذي شهدته الأسواق الأمريكية مؤخرًا، حيث تمكنت أسهم وول ستريت من التعافي بقوة بعد موجة البيع الحادة التي فجرتها قرارات ترامب الجمركية في أبريل، دون أن يرافق ذلك صعود مماثل للدولار.
ووفقًا لدويتشه بنك، فإن نحو 80% من التدفقات البالغة سبعة مليارات دولار إلى الصناديق المتداولة للأسهم الأمريكية خارج الولايات المتحدة خلال الأشهر الثلاثة الماضية جاءت على أساس التحوط، مقارنة بـ20% فقط في بداية العام، ويعني ذلك أن المستثمرين باتوا يفضلون التركيز على حركة الأصول بعيدًا عن تقلبات العملة، رغم ارتفاع تكاليف التحوط.
هذا التوجه ساهم في تراجع الدولار بأكثر من 10% منذ بداية العام أمام سلة من العملات الرئيسية، منها اليورو والجنيه الإسترليني، ودفع اليورو لتجاوز مستوى 1.18 دولار، وهو الأعلى منذ أربع سنوات.
طفرة الأسهم ومخاطر الدولار
أكد مديرو الصناديق أن عملاءهم لا يزالون حريصين على الاستثمار في الأسهم الأمريكية، خصوصًا مع الطفرة التي يشهدها قطاع الذكاء الاصطناعي، لكنهم في الوقت ذاته أقل استعدادًا لتحمل مخاطر الدولار.
وقال أرون ساي، كبير استراتيجيي الأصول المتعددة في Pictet Asset Management السويسرية، إن شركته زادت مستويات التحوط ضد الدولار في استثماراتها بالأسهم الأمريكية، معتبرًا أن الدولار دخل في مرحلة \”سوق هابطة ممتدة\”، مشيرًا إلى أن العملة الأمريكية ستكون الضحية الأولى لفقدان الثقة المؤسسية.
وأظهر مسح لـ بنك أوف أميركا أن 38% من مديري الصناديق العالميين يخططون لزيادة مراكز التحوط ضد ضعف الدولار، مقابل 2% فقط يسعون للتحوط ضد قوته، وأكدت ميرا شاندان، الرئيسة المشاركة لاستراتيجية العملات في جي بي مورغان، أن ما يحدث ليس تخليًا عن الاستثمار في أمريكا بل تحوطًا ضد الدولار، موضحة أن البيانات الاقتصادية الضعيفة قد تدفع إلى موجة جديدة من التحوط.
انهيار العلاقة التقليدية
في الماضي، ساهمت تدفقات الأموال الأجنبية على الأسهم الأمريكية في تقوية الدولار، لكن هذه العلاقة انهارت هذا العام بفعل المخاوف حول الاقتصاد وسياسات ترامب، فقد ارتفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 12% بالدولار منذ بداية العام، لكنه تراجع بنسبة 2% عند قياسه باليورو.
في السياق ذاته، قال تشارلز هنري مونشو، كبير مسؤولي الاستثمار في SYZ Group السويسرية، إنه انتقل إلى تغطية كاملة لاستثماراته في الأسهم الأمريكية منذ مارس الماضي، واصفًا القرار بأنه \”رهان جيوسياسي\” بعد تصريحات ترامب المعارضة لقوة الدولار.
كما خفّضت صناديق التقاعد الدنماركية تعرضها غير المحمي للدولار بنحو 16 مليار دولار في يونيو لتصل إلى 76 مليار دولار فقط، فيما زادت الصناديق الهولندية مستويات التحوط منذ بداية العام. وأكد بنك التسويات الدولية أن المستثمرين الآسيويين لعبوا دورًا رئيسيًا في موجة التحوط الأخيرة.
أدوات التحوط وتكلفتها
يعتمد المستثمرون في الغالب على المشتقات المالية مثل العقود الآجلة للعملات لتثبيت أسعار الصرف المستقبلية، ومع تراجع أسعار الفائدة الأمريكية أصبحت هذه العقود أقل تكلفة، وهو ما شجع على توسع استخدامها.
وقال كيت جوكس، كبير استراتيجيي العملات في سوسيتيه جنرال، إن الأسواق تقترب من \”نقطة تحول\” يتساءل عندها المستثمرون: لماذا لم نتحوط من الدولار في وقت أبكر؟ فيما أكد كاماكشيا تريفيدي، كبير استراتيجيي العملات في غولدمان ساكس، أن انخفاض تكلفة التحوط قد يدفع مزيدًا من المستثمرين الآسيويين إلى زيادة تغطيتهم ضد الدولار، وهو ما قد يزيد من الضغط على العملة الأمريكية خلال الفترة المقبلة.
اقرأ أيضًا: هل يفقد الدولار الأمريكي عرشه كعملة احتياطية عالمية؟








