في خطوة وُصفت بأنها الأكثر خطورة منذ سنوات في منطقة الخليج، وافق البرلمان الإيراني رسميًا على قرار إغلاق مضيق هرمز، عقب الضربة الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة ضد منشآت نووية إيرانية فجر الأحد.
قرار إغلاق مضيق هرمز جاء في سياق تصعيد إيراني–إسرائيلي متسارع، ما جعل المضيق مجددًا مركز الحدث، وأثار مخاوف جدية من تداعيات اقتصادية عالمية قد تكون الأشد منذ أزمة الطاقة في السبعينيات.
مضيق هرمز تحت التهديد
يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية الحيوية في العالم، حيث تمر من خلاله قرابة 30% من صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال، كما يشكل المعبر الرئيسي للسلع الحيوية إلى دول الخليج من غذاء ودواء وبضائع أساسية.
وفي هذا الإطار، صرّح الدكتور علي الريامي، الخبير في شؤون الطاقة، أنَّ مضيق هرمز يمثل شرياناً لا غنى عنه في منظومة الأمن الطاقوي العالمي، وأنَّ أيّ اضطراب فيه قد تكون له انعكاسات كارثية. وقال إنَّ \”دول الخليج، وتحديدًا الإمارات والكويت وقطر والبحرين، تعتمد بشكل جوهري على هذا الممر لتلبية أكثر من 70% من وارداتها الأساسية، ما يجعلها عرضة بشكل مباشر لأي تصعيد في المضيق\”.
وأكَّد الريامي أنَّ تعطيل المضيق لا يؤثر فقط على الدول المطلة، بل يتجاوز ذلك ليضرب أسواق الطاقة العالمية، إذ يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وزيادة تكلفة النقل والتأمين، مما يرفع منسوب المخاطر الجيوسياسية عالمياً.
تصعيد إقليمي بأبعاد دولية
لفت الخبير إلى أنَّ القرار الإيراني بإغلاق المضيق يأتي في وقت بالغ الحساسية، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، ودخول الولايات المتحدة على خط المواجهة العسكرية، محذرًا من أنَّ استخدام طهران لمضيق هرمز كورقة ضغط سياسي أو عسكري قد يؤدي إلى اندلاع صراع واسع النطاق في المنطقة، يصعب احتواؤه دبلوماسيًا.
ودعا الريامي إلى تحرك دبلوماسي عاجل من قبل المجتمع الدولي للحفاظ على أمن وسلامة هذا الممر الاستراتيجي، محذرًا من أن \”أي تصعيد في المضيق سينعكس فورًا على أسعار الطاقة، وسيدفع ثمنه الاقتصاد العالمي بأسره، وليس فقط دول المنطقة\”.
اقرأ أيضًا: هل تستطيع إسرائيل ضرب موقع “فوردو” الإيراني وحدها؟
تهديد مباشر لاستقرار الطاقة العالمية
حذّرت الدكتورة مروى خضر، الخبيرة الاقتصادية الدولية، من خطورة الخطوة الإيرانية، مشيرة إلى أن إغلاق مضيق هرمز يُعد تصعيدًا غير مسبوق، قد يقود إلى اضطرابات حادة في إمدادات الطاقة العالمية.
وقالت خضر: \”يمر عبر المضيق يوميًا ملايين البراميل من النفط، بالإضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، لا سيما من قطر، وهذه الكميات تغذي أسواقًا حيوية في آسيا، أبرزها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، التي تعتمد عليه بشكل أساسي\”.
وأضافت أن الأسواق العالمية بدأت بالفعل في التفاعل مع القرار، حيث ارتفعت تكاليف الشحن من الخليج إلى آسيا بأكثر من 20%، وقفزت إلى شرق إفريقيا بنسبة 40%، ما يعكس حالة القلق المتزايد في الأسواق العالمية.
دول الخليج.. جاهزية محدودة واستراتيجيات طوارئ
تطرَّقت خضر إلى الخطط البديلة التي اتخذتها بعض دول الخليج، مثل السعودية والإمارات، للحد من تأثير أي أزمة في المضيق، لكنها أوضحت أن \”الطاقة الاستيعابية لخطوط الأنابيب البديلة لا تتجاوز 2.6 مليون برميل يوميًا، ومقارنة بما يمر عبر هرمز يتضح أن هذه البدائل غير كافية لتغطية الفجوة المحتملة في حالة الإغلاق الكامل\”.
كما حذّرت من أن القرار الإيراني قد يُجبر دول الخليج على تبني مواقف أكثر تشددًا تجاه طهران، خاصة إذا ما تأثرت صادراتها ومصالحها الاقتصادية، ما ينذر بإشعال مواجهة سياسية وربما عسكرية إقليمية أوسع.
تكلفة مرتفعة على إيران ذاتها
على الرغم من التهديدات الإيرانية، أكدت خضر أنَّ إغلاق المضيق قد يرتد سلبًا على طهران، موضحة أن \”إيران نفسها تعتمد على المضيق لتصدير نفطها، خاصة إلى الصين، وإذا ما تم تنفيذ القرار فعليًا فإنها تخاطر بفقدان عملائها الأساسيين، ما سيؤدي إلى تفاقم أزمتها الاقتصادية التي تعاني بالفعل من العقوبات والعزلة الدولية\”.
وأضافت أن هذا التصعيد قد يُفقد إيران ما تبقى من علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع جيرانها في الخليج، وهو ما سيزيد من عزلتها الجيوسياسية.
الاقتصاد العالمي على حافة أزمة جديدة
من جانبه، أكَّد الدكتور رمزي الجرم، الخبير الاقتصادي، أن العالم بات على حافة أزمة مالية جديدة قد تكون أشد من الأزمات السابقة، نتيجة التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز، قائلًا إنَّ \”القرار الإيراني يُعد نقطة تحول خطيرة، ويضع ضغوطًا غير مسبوقة على الممرات المائية الاستراتيجية، بما فيها باب المندب وقناة السويس\”.
وأشار إلى أنَّ المضيق يشهد يوميًا مرور أكثر من 21 مليون برميل من النفط ومشتقاته، إلى جانب 90 مليون طن متري من الغاز الطبيعي، ما يعادل نصف الطاقة التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي، وتابع: \”أي تعطيل لهذا الممر سيفتح الباب أمام موجة تضخمية حادة، وارتفاع في أسعار السلع والنقل والطاقة\”.
اقرأ أيضًا: تشويش الملاحة بالخليج ومضيق هرمز يشعل مخاوف النفط العالمي
انعكاسات مباشرة على الاقتصاد المصري
أوضح الجرم أن الاقتصاد المصري سيتأثر بشكل مباشر، نظرًا لاعتماده على استيراد كميات كبيرة من النفط والمواد الغذائية، مشيرًا إلى أن \”التضخم المحلي سيشهد قفزات جديدة، بعد أن تراجع مؤخرًا إلى حوالي 13%، كما ستتسع فجوة الميزان التجاري، ما يضع ضغوطًا على الاحتياطي النقدي وسوق الصرف\”.
ولفت إلى أن تكلفة التمويل الخارجي سترتفع، وسيحدث تراجع في تدفقات الاستثمار الأجنبي، خاصة في ظل تقلبات الأسواق وتباطؤ حركة التجارة.
تراجع موارد النقد الأجنبي.. والسياحة تحت التهديد
أعرب الجرم عن قلقه من تأثير استمرار الصراع على قطاعات حيوية مثل السياحة وتحويلات العاملين بالخارج، وأشار إلى أن \”التحويلات كانت قد بلغت 26.4 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية، لكن استمرار الحرب قد يدفع إلى تراجع هذه الأرقام، في ظل ارتفاع التضخم في دول المهجر\”.
كما حذّر من احتمال هروب رؤوس الأموال الساخنة، وهو ما سيضعف موقف الجنيه أمام الدولار، ويزيد من التحديات أمام السياسة النقدية في مصر.
دعوة لتفعيل خطط الطوارئ
رغم قتامة المشهد، أشار الجرم إلى بعض المؤشرات الإيجابية؛ أبرزها موافقة الاتحاد الأوروبي على صرف منحة بقيمة 4 مليارات يورو لدعم الاقتصاد المصري، لا سيّما أنه قد أثبت مرونة نسبية بفضل تنوع موارده والإصلاحات التي تم تطبيقها، خاصة في مارس 2024.
إلى جانب ذلك، دعا الجرم إلى الإسراع في تفعيل خطط الطوارئ، وتوسيع مصادر النقد الأجنبي، وتنشيط الاستثمارات المحلية، لضمان القدرة على امتصاص الصدمات المحتملة.
أسواق المال العالمية تحت ضغط
من جهتها حذرت حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، من التداعيات الفورية على الأسواق المالية، وأشارت إلى أن \”البورصات العالمية، بما فيها الخليج ومصر، تترقب تداعيات أي رد فعل عسكري محتمل، وما زالت شهية المخاطرة ضعيفة\”.
وأوضحت أنَّ إغلاق المضيق سيؤثر على حركة السفن، ويؤدي إلى توقف مؤقت لبعض المصانع، وارتفاع في تكاليف الإنتاج والنقل، وأكدت أن \”أي موجة تصعيد جديدة ستدفع الأسواق نحو عمليات بيع واسعة، وانخفاض في مستويات السيولة والاستثمار\”.
ومن ناحية أخرى، أوضحت الخبيرة أنَّ هذا التأثير لن يقتصر على دول الخليج أو المنطقة العربية فقط، بل سيطال الأسواق العالمية، سواء في الشرق أو الغرب، نظراً لترابط الاقتصاد العالمي، وقالت: \”هذا النوع من الأزمات لا يُحاصر جغرافياً، بل ينعكس على كل الدول، خاصة تلك التي تعتمد على استيراد الطاقة أو تصدير المواد الخام\”.
واختتمت رمسيس تصريحاتها بالقول: \”السؤال الأهم الآن هو: هل ستكون هذه الأزمة مؤقتة ويتم احتواؤها دبلوماسياً، أم أننا أمام موجة طويلة من التوترات التي ستضغط على الاقتصاد العالمي لسنوات؟ ما نراه حتى الآن يشي بقلق حقيقي يجب أن تتعامل معه الأسواق والحكومات بكل حذر واستعداد، فما يحدث في مضيق هرمز ليس أزمة إقليمية فحسب بل تهديد لمنظومة التجارة العالمية بأكملها، وعلينا الاستعداد لأسوأ السيناريوهات إن لم يُحتوَ الموقف دبلوماسيًا\”.
قد يهمّك أيضًا: الصراع بين إيران وإسرائيل يدفع الاقتصاد العالمي نحو حافة الانفجار








